المغرب يخرج مهزوما من نهائي الكان على ثلاث جبهات


المغرب يخرج مهزوما من نهائي الكان على ثلاث جبهات صورة - م.ع.ن
أفريكا فور بريس - مراد زربي

 

  لم تكن خسارة المغرب في نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 على أرض الملعب فحسب، بل خرج مهزوما على ثلاث جبهات: المباراة نفسها، والضجة التي أعقبتها، وقرارات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم التأديبية. ثلاث إخفاقات متتالية لا تحتاج إلى تبرير أكثر من نظرة فاحصة ودقيقة إلى أسبابها.
من منظور رياضي بحت، لا يمكن اعتبار الهزيمة أمام السنغال مجرد عثرة عابرة. فقد نتجت عن سلسلة من نقاط الضعف: إعداد غير كاف يتناسب مع متطلبات المنافسات الأفريقية، واختيار لاعبين يعانون من ضعف بدني، وخيارات تكتيكية مشكوك فيها في لحظات حاسمة.
لكن خارج الملعب، كان هناك عامل حاسم: الضغط الاستثنائي الذي وُضع على المنتخب الوطني. فبتصريحه العلني بأنه "لا أحد سواه قادر على الفوز بالكأس"، ساهم الناخب الوطني في خلق التزام مطلق بتحقيق نتيجة إيجابية. وقد عززت وسائل الإعلام الوطنية هذا الموقف، وغرست تدريجيا في نفوس الجمهور يقينا تحول إلى شعار: "نحن نستضيف، نحن نحافظ على الكأس".
و حوّل هذا الخطاب هدفا رياضيا إلى واجب وطني، مما قلل هامش الخطأ المتاح للفريق وجعل نهجه في المباراة جامدا. في سياق أفريقي حيث تُعد المفاجآت والإدارة العاطفية والقدرة على التكيف أمورا بالغة الأهمية، أصبح هذا الضغط الذاتي في نهاية المطاف نقطة ضعف.
لم يقتصر هذا الضغط المفرط على أرض الملعب، بل خلق ثغرة سارع الآخرون إلى استغلالها. وسرعان ما امتلأت وسائل الإعلام بحملات تشويه مدبرة من قِبل الجزائر، التي لم تكن لتطيق فكرة النفوذ المغربي العالمي والقاري.
والجدير بالذكر أن هذه الهجمات لم تستهدف البنية التحتية، أو الأمن، أو التنظيم، أو الضيافة، أو حتى الملاعب نفسها، وهي جميعها جوانب حظيت بإشادة عالمية. بل كان الهدف في مكان آخر، أكثر دهاء، وأكثر خطورة.
لقد هوجمت الهوية المغربية الأساسية: رأس المال غير المادي، والبشري، والرمزي الذي بنته المملكة بصبر على مدى عقدين تقريبا في خبايا كرة القدم الأفريقية والعالمية. والحجج المستخدمة ليست جديدة، فهي تعتمد على أساليب قديمة: الفساد والغش، والتلاعب. عودة متعمدة إلى خطاب قبلي وريبي ظن المغرب أنه قد تجاوزه.
في هذا السياق، يكون التناقض صارخا: يمكن تقويض سنوات من العمل المؤثر والتحديث المؤسسي والقوة الناعمة، في الفضاء الإعلامي الأفريقي، من قبل عدد قليل من الأصوات الصاخبة، وأحيانا من خلال البودكاست الممولة بسخاء، ونظام إعلامي وطني غير منظم بشكل كاف للاستجابة والتفكيك وفرض سردية مضادة ذات مصداقية.
و كان لهذا الصراع على الرواية تداعيات مؤسسية في نهاية المطاف. فقد خلق التلاعب بالرأي العام الأفريقي مناخا وجد فيه الاتحاد الأفريقي لكرة القدم نفسه مضطرا للتحرك تحت الضغط.
والنتيجة لافتة للنظر: ففي قراراته التأديبية، ساوى الاتحاد القاري بين حدثين مختلفين تماما: انسحاب فريق من الملعب خلال المباراة النهائية، وحوادث هامشية تتعلق بسلوك فردي أو تنظيمي. هذا التساوي، الذي يصعب تبريره رمزيا، لا يعكس تحليلا موضوعيا للوقائع بقدر ما يعكس تسوية تم التوصل إليها تحت الضغط.
في هذا السياق، يبدو رفض استئناف المغرب أقل ما يكون مجرد انتكاسة قانونية، وأكثر ما يكون تتويجا لسلسلة من الأحداث التي عجز فيها المغرب، أو لم يرغب، في استعادة زمام الرواية في الوقت المناسب.
للقيادة ثمنها. فهي تكشفك، وتبلور شخصيتك، وتجذب إليك الانتقادات. لكنها تفرض عليك أيضا واجبا: أن تتراجع خطوة إلى الوراء، وتتقبل النقد الذاتي، وتعدل أساليبك.
لا يمكن اختزال بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 في المغرب إلى مجرد هزيمة رياضية أو سردية، رغم النجاح التنظيمي المعترف به على نطاق واسع. بل يجب فهمها كتحذير. تحذير بأن حتى القيادة المتينة تظل هشة إن لم تصاحبها استراتيجية إدارة سردية، وتواصل ناضج، وقدرة على استشراف التحديات غير الملموسة.
خسر المغرب على ثلاث جبهات. والآن يقع على عاتقه التعلم من هذه التجربة، لا التراجع، بل العودة برؤية أوضح، واستعداد أفضل، وتجهيزات أقوى لمواجهة الصعاب التي لم تعد تحسم على أرض الملعب فقط.

اترك تعليقاً