في فاس حديقة منهارة والتاريخ ما نساها
( تراث فاس من جديد في نبش جديد (حديقة جنان المسرة
أثناء البحث في أبواب فاس التاريخية وآثارها ، كنت أصادف إشارات لبعض المعالم المفقودة التي كانت لها صلة بباب من الأبواب ، ولم يكن أمامي سوى تسجيل الإشارة والاحتفاظ بها حتى لا تحول اهتمامي عما كنت بصدد إنجازه عن أبواب فاس . وبعد أن عدت لتلك الإشارات متصفحا ، استوقفتني إحداها وشعرت كأن تاريخها يناديني للغوص في أعماقها ، حتى إذا لبيت النداء صرت منجذبا لا ألوي على موضوعها المثير السار ولا أحيد عن معرفة المزيد عنها وعن خباياها خاصة وأن اسمها لوحده يتميز بجاذبية خاصة . إنها حديقة جنان المسرة في فاس
حتمت علي أن أعود لما كتبته عن باب الساجمة التي كانت مدخلا من مداخل فاس الجديد ولم يتبق منها سوى برجين متينين كانا يدعمان الباب وقد شيدها المرينيون ، ولكنها تداعت للانهيار فأمر السلطان مولاي الحسن الأول بتجديدها وجعل شكل واجهتها الخارجية مماثلا لشكل باب السبع المقابلة لها بنفس النقوش والزخرفة والزليج الغامق ، ويقولون عن سبب ضخامة البرجين أنهما يدعمان قوسها الذي كان يحمل قناة ماء تربط بين قصبة الشراردة والمشور القديم من هذه الإشارة الجذابة ، أدركت أن تلك القناة المعلقة كانت تسقي حديقة ملكية شاسعة بناها السلطان المريني أبو يعقوب يوسف عام 1286 وكانت لها ناعورة ماء ضخمة تصب ماءها المار فوق قوس الباب لتزويد الحديقة الغناء.
ولكن في القرنين 16 و 17 أمر السعديون التخلي عن الحدائق وتدميرها ، فاختفت حديقتنا ولم تبق سوى باب الساجمة وبالأحرى سوي برجيها رغم أنها كانت مكانا مميزا في تاريخ المدينة ، فالحديقة كانت تضم مساحة تقدر 67 هكتارا ومحاطة بجدران وتعد ناعورتها من أهم معالمها ومن أهم الابتكارات في عصرها وأن موقعها الآن هو مقبرة باب الساجمة الكبيرة
تساؤلات صدرت عني وكأني في مناجاة . لماذا هدمها السعديون ؟ لماذا لم يعاد بناؤها في العصور الموالية للسعديين ؟ ألم تكن حديقة ملكية كما يذكر التاريخ ؟ هل كان اختيار مكانها للمقبرة أفضل في تلك الحقبة ؟ هل ضاقت فاس بأمواتها حتى حولت الحديقة الفيحاء إلى مقبرة ؟ هل هي تصفية حساب السعديين مع مأثر وإنجازات المرينيين ؟ والتاريخ لم يجبني عن تساؤلاتي إلا بأنه رغم تدميرها واختفائها ظلت حديقة جنان المسرة شاهدا على عظمة مدينة فاس التاريخية وتذكرنا بالحضارة المرينية وتراثها الغني
وخلال مناجاتي تراءت لي تجليات هذه الحديقة انطلاقا من أوصافها غير المنسية وكأن الناعورة فيها . شامخة كأنها قلب خشبي نابض، يدور ببطء مهيب، لا بعجلة ولا بضجيج، بل بإيقاع يشبه تنفس الأرض. يتدلى الماء من أفواه ألواحها في خيوطٍ فضية، ينسكب في الساقية المكسوة بالزليج، فيتماوج الضوء على سطحه كما لو أن السماء انحنت لتغسل وجهها فيه أما القوس الأندلسي فيحتضن المشهد كإطار من ذاكرة بعيدة ، زخارفه تتشابك كآياتٍ هندسية، وألوانه تلمع بين الأزرق والفيروزي والذهب، كأنها بقايا شمس قديمة استقرّت في الحجر. وعلى الجانبين، تتدلى أغصان البرتقال والرمان، مثقلةً بثمرها، تهمس برائحة حلوة تذوب في الهواء كما لو أنها جنة نعيم وتلكم الساقية لم تكن تجري فحسب ، بل إنها تسافر. تنحني برفق بين الحقول، تلامس جذور الأشجار، وتوقظ العشب، وتربت على وجوه الزهور. كل زهرة هناك ترفع رأسها امتناناً لله وشكرا للبناة ، وكل ورقة تلمع كأن قطرة ماء مرت عليها فباركتها وباركت تفتحها وفوحها حتى الهواء نفسه يبدو رطبا بالسكينة. لا صخب، لا استعجال. فقط خرير الماء وهو يهمس للحجر، وصوت الدوران الخشبي الذي يذكر بأن الحياة ، مهما دارت ، تعود دائما إلى منبعها إلا الحديقة لم تعد إلى الآن ونظل تحث القبور ولو وقفت عند بابها لحظة، لشعرت أنك لا تنظر إلى حديقة، بل تعبر عتبة زمن آخر ، زمن كانت فيه الأشياء تبنى لتبقى ، ويسقى فيه الجمال كما تسقى الأشجار ولكن الحديقة لم تبق ، ولكن مسرتها تحولت إلى أحزان ومقبرة تأوي جثثا ،بحثت في أعماق الكتب والمصادر عن صورة حية أو تقريبية ، فلم أجد إلا وصفا وتخيلا ، فحاولت أن أجعل استحضارها كتراث متخيل برسم تقريبي ، ولكني لست رساما . فهل أسأل فنانا قد يبدع خياله لوحة ؟ هذا ممكن ويظل واردا ولكن سيطول بي الانتظار وأنا أخشى على مناجاتي أن يحملها النسيم بعيدا فيتلاشى التناغم بين الموصوف وإبداع المبدع الفنان قادني الاستعجال إلى أن أغامر مع الذكاء الاصطناعي عله ينوب عني وعن الفنان .أعطيته الفكرة وزودته وصف مناجاتي بالكلمات ، فمنحني ومنح موقع الحديقة - وهي حاليا مقبرة - هاتان اللوحتان ، فاقتنعت بهما لملء فراغ المكان وفراغ الأرشيف .