صراع داخل بروكسل يجهض مشروع تحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة استخباراتية موحدة
صورة - م.ع.ن
اضطرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى التراجع عن خطتها الطموحة لتعزيز القدرات الاستخباراتية للاتحاد الأوروبي، بعد خلاف حاد مع مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، في خطوة كشفت عن توتر متصاعد داخل مؤسسات الاتحاد بشأن ملفات الأمن والسيادة.
وكانت فون دير لاين تسعى إلى تطوير "مركز تحليل الاستخبارات التابع للاتحاد الأوروبي" (EU INTCEN) من هيئة تحليلية تعتمد أساسا على المصادر المفتوحة، إلى خلية استخباراتية متكاملة قادرة على جمع معلومات سرية وتنفيذ مهام أكثر تقدما، تحت إشراف مباشر من المفوضية. ووفق تقارير إعلامية أوروبية، كان الهدف إنشاء بنية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، والتصدي للتجسس والهجمات السيبرانية والأنشطة التخريبية، خصوصًا تلك المنسوبة إلى روسيا.
الخطة، التي أعلن عنها في نوفمبر الماضي، واجهت اعتراضات قوية من عدد من العواصم الأوروبية، إضافة إلى تحفظات داخل الدائرة الدبلوماسية للاتحاد. ونتيجة لذلك، جرى تقليص المشروع بشكل كبير، إذ سيتم تحويل "الخلية الاستخباراتية" المقترحة إلى مجرد وحدة أمنية محدودة الصلاحيات، بينما سيبقى الدور المركزي في تبادل المعلومات بيد INTCEN التابع لدائرة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS) التي تقودها كالاس.
الخلاف بين فون دير لاين وكالاس يعكس صراعا أعمق حول من يقود ملف الأمن القومي داخل الاتحاد. فبينما سعت رئيسة المفوضية إلى توسيع نفوذ مؤسستها ومركزة القرار الأمني، تمسكت كالاس بضرورة إبقاء التنسيق الاستخباراتي ضمن الهياكل الدبلوماسية القائمة وبالتعاون الوثيق مع الدول الأعضاء.
وأشارت كالاس أمام البرلمان الأوروبي إلى الضغوط المالية التي تواجهها الدول، معتبرة أن إنشاء هيكل جديد في ظل وجود آليات قائمة قد لا يكون خيارا عمليا.
العائق الأكبر أمام المشروع تمثل في تمسك الدول الأعضاء بسيادتها الاستخباراتية. فأجهزة الاستخبارات الوطنية، مثل الفرنسية والألمانية، تتحفظ تقليديا على مشاركة معلوماتها الحساسة مع كيان مركزي، خشية تسرب البيانات أو فقدان السيطرة على مصادرها.
كما أن تفاوت أولويات الدول يزيد المشهد تعقيدا، إذ تركز دول شرق أوروبا على التهديد الروسي، بينما تعطي دول الجنوب أولوية لقضايا الإرهاب والهجرة، ما يصعب صياغة رؤية استخباراتية موحدة.
جاء المشروع في ظل مخاوف أوروبية من احتمال تراجع التعاون الاستخباراتي الأمريكي، خاصة مع احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إلى جانب تصاعد ما يُعرف بالتهديدات "الهجينة". هذه العوامل دفعت بعض القادة الأوروبيين إلى دعم تعزيز آليات التنسيق القائمة داخل INTCEN بدل إنشاء كيان جديد.
في المحصلة، خرجت كالاس منتصرة في هذه الجولة، بينما تأجل حلم إنشاء بنية استخباراتية أوروبية موحدة بصلاحيات موسعة. غير أن النقاش لم يغلق نهائيا، إذ لا يزال سؤال الاستقلال الأمني الأوروبي مطروحًا بقوة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الاتحاد الأوروبي هو تحقيق توازن بين الحاجة إلى تنسيق أمني أعمق، والحفاظ على حساسية الدول الأعضاء تجاه سيادتها ومصالحها الوطنية.