رفات رئيس زامبيا السابق معادلة انتخابية متحكمة في اقتراع غشت المقبل


رفات رئيس زامبيا السابق معادلة انتخابية متحكمة في اقتراع غشت المقبل صورة - م.ع.ن
أفريكا فور بريس - هيئة التحرير

      مع اقتراب موعد الانتخابات العامة لسنة 2026، ترتسم أمام زامبيا أزمة سياسية غير مسبوقة يطغى عليها مشهد "جنائزي" قاتم، إذ لا يزال طيف الرئيس السابق، إدغار لونغو، بعد مرور 10 أشهر على وفاته، يخيم بقوة على المشهد السياسي، بل ويتحكم في وتيرة الأجندة الانتخابية.

ففي 22 أبريل الجاري، بلغت المعركة القضائية والدبلوماسية المحتدمة بين عائلة لونغو وحكومة خصمه، هاكيندي هيشيليما، منعطفا جديدا، حيث وصل الطرفان إلى طريق مسدود بشأن ترتيبات الدفن.

ووفقا لرواية العائلة، أقدمت الشرطة الجنوب إفريقية، ممتثلة لطلب الدولة الزامبية، على "مصادرة" جثمان لونغو من أحد مستودعات الأموات ببريتوريا، ونقله إلى وجهة مجهولة.

وفي اليوم الموالي، أمرت المحكمة العليا ببريتوريا بإعادة الجثمان فورا إلى الجهة التي تختارها العائلة، في مشهد من "السجال الجنائزي" الذي يجسد حدة التوتر في لعبة شد الحبل والأعصاب بين الطرفين.

ومما زاد المشهد تعقيدا إعلان شركة الخدمات الجنائزية عن رغبتها في التخلي عن حفظ الجثمان، مطالبة العائلة بإيجاد بديل آخر.

وصرح محامي العائلة، ماكيبي زولو، بأن ذوي الراحل علموا بتوجه عناصر من الشرطة الجنوب إفريقية، وموظفين زامبيين إلى مستودع الأموات للمطالبة بالجثمان، مؤكدا "عدم وجود أي أمر قضائي بذلك، خاصة وأن المسطرة القانونية لا تزال جارية".

وتوفي إدغار لونغو في 5 يونيو 2025 عن عمر ناهز 68 سنة، إثر مرض لم يكشف عنه بإحدى مصحات بريتوريا، حيث تم الاحتفاظ بجثمانه، منذ ذلك الحين، بسبب تعقيدات مسطرية بشأن الترحيل، مما يجعل من هذه القضية أطول نزاع جنائزي في التاريخ السياسي الإفريقي المعاصر.

وفي مشهد يؤشر على حدة الخلاف، تم الإعلان عن فترتين مختلفتين من الحداد، بل وجرى تداول دفتري تعزية متنافسين، في آن واحد.

ويعود أصل الخلاف إلى الوصية الأخيرة لرئيس الدولة السابق الذي باح، بحسب أرملته إيستر لونغو وعدد من مقربيه قبل وفاته جراء أزمة قلبية، بأن "الذين لم يكترثوا لأمري، خلال حياتي، لا ينبغي لهم ادعاء الاهتمام برفاتي بعد مماتي"، في إشارة مباشرة للرئيس الحالي هيشيليما، الذي كان لونغو يناصبه العداء.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه العائلة بمطلب الدفن في جنوب إفريقيا، تستند الحكومة الزامبية إلى القانون الخاص برؤساء الدولة السابقين، ملحة على مواراة لونغو الثرى في جنازة رسمية بمقبرة "إمباسي بارك" بلوساكا، المصنفة كمعلم وطني، منذ سنة 2009.

لكن ما سر كل هذا العناد من أجل جثمان رجل قضى؟ الجواب يكمن، برأي العديد من المراقبين، في صناديق اقتراع سنة 2026.

فبالنسبة ل "الجبهة الوطنية"، حزب لونغو، يعتبر تعنت الحكومة دليلا على "ملاحقة سياسية لما بعد الموت"، إذ أن كل يوم يمضي دون دفن الجثمان يعزز صورة العائلة المضطهدة، في سردية تلقى صدى قويا لدى القواعد الشعبية.

والحال أن لونغو، الذي حكم زامبيا من 2015 إلى 2021، كان قد عين مرشحا لتحالف المعارضة "تونصي"، لكن رحيله المفاجئ خلف فراغا يحاول اليوم أنصاره استثماره عبر تحويل جنازته إلى اختبار لموازين القوى السياسية.

أما بالنسبة للرئيس هيشيليما، فإن المشهد يبدو كاختيار صعب بين أمرين أحلاهما مر.

فإن تراجعت الحكومة فستفسح المجال للمعارضة لتنظيم جنازة "خاصة" قد تتحول إلى تجمع سياسي حاشد تصعب السيطرة عليه، وإن هي فرضت ترحيل الجثمان قسرا، فستبدو كسلطة استبدادية لا تقيم وزنا لتقاليد الدفن، التي تحظى بقدسية بالغة في زامبيا.

ويعد عدم التعجيل بدفن الموتى، في هذا البلد الواقع بإفريقيا الجنوبية، من الطابوهات الكبرى ودليلا على اختلال روحي جسيم.

وفيما قضت محكمة الاستئناف العليا في جنوب إفريقيا بإعادة الجثمان في انتظار إعادة النظر في القضية في ال21 من مايو المقبل، تحبس زامبيا أنفاسها ترقبا لما ستؤول إليه الأمور.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالانقسام، استنكر الحزب المعارض "مواطنون أولا" بشدة نقل جثمان لونغو، معتبرا هذا الفعل بمثابة "انتهاك لحرمة المثل الثقافية والأخلاقية".

وأوضح رئيس الحزب، هاري كالابا، أن الوضع تجاوز النطاق الوطني ليكتسي أبعادا دبلوماسية، نظرا لما قد يتولد عنه من توتر في العلاقات بين زامبيا وجنوب إفريقيا.

ومن جهتها، حذرت رئيسة الجمعية الوطنية، نيلي موتي، النواب من نشر ادعاءات غير مؤكدة بشأن مكان وجود الجثمان، مشددة على ضرورة ترك الأمر بين أيدي السلطات المختصة والمنظومة القضائية.

وبهذا الشأن تحديدا، صرح النائب العام للجمهورية، موليلو كابيشا، أن الحكومة لم تكن في أي وقت من الأوقات ترغب في حيازة فعلية للجثمان، الذي "ظل تحت إشراف السلطات الجنوب إفريقية طوال مدة الإجراءات".

وأوضح أن الرئيس هيشيليما أشار حتى إلى استعداده لعدم حضور الجنازة إذا كان ذلك من شأنه تسهيل التوصل إلى توافق، معتبرا أن "دفن رئيس دولة سابق لم يكن من المفترض أبدا أن يكون موضع تنافس، ولا ينبغي أن يكون كذلك".

وفي تعقيب أكد هيشيليما أن زامبيا تنعم حاليا بالسلام، بالمقارنة مع ما وصفه بفترة التوترات السياسية الحادة التي شهدتها البلاد حين كان في صفوف المعارضة، مشددا خلال لقاء مع أنصاره من "الحزب المتحد للتنمية الوطنية" (الحزب الحاكم منذ 2021) على أن الوحدة تظل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والتقدم الوطني.

وعلى بعد أقل من 4 أشهر على اقتراع غشت المقبل، يواصل طيف إدغار لونغو الضغط بكل ثقله في الحملة الانتخابية، باعتباره شخصية محورية مازالت تغذي التوترات المستمرة بينه وبين خلفه.

في انتظار ذلك، قد لا يقتصر السؤال على من سيقود البلاد غدا، بل على من سيمتلك، في نهاية المطاف، الكلمة الفصل بشأن التحكم في "رفات الماضي"، باعتباره رأسمالا رمزيا حاسما في السجال السياسي.
 

اترك تعليقاً