حرف محلية بين منقرضة ومنتظرة الانقراض
صورة - م.ع.ن
في كل يوم من رمضان. مع حرفة صانع فنان
من كتاب تراث فاس من جديد في نبش جديد حرف محلية بين منقرضة ومنتظرة الانقراض محمد التهامي بنيس
تقديم
تراث فاس من جديد ، في نبش جديد
عملية النبش في تراث فاس ، تلك التي أقوم بها، مستمرة ومتجددة ، لكن نتائجها غير معمقة ومجال النبش فيها أكثر عمقا، إذ مع كل نتيجة نبش، أقتنع أكثر أن الغوص في هذا التراث، يشبه عملية البحث في الحفريات واكتشاف مخزوناتها الإنسانية والعمرانية، حيث ما أن يعلن فريق بحث عن اكتشاف ما، إلا ويوجد معه ما يثير الفضول وما يستوجب التأمل وتعميق البحث لاكتشاف مآثر وتراث وحقائق جديدة، فعند النبش مثلا في الغنى اللغوي في بيوتات فاس - وهو العمل الذي لا زال جاريا ومفتوحا – كانت بعض المصطلحات وكلمات وأسماء المخزون اللغوي ، تحيلني إلى بعض الحرف التقليدية بسبب ارتباطها برصيد بيوتات هذه المدينة، وهي حرف تعرضت أو تتعرض للانقراض، وهذا ما استوقفني للنبش فيها، لما كان لها من مزايا وأهمية في زمانها، ولما قد يكون في إحيائها أو، على الأقل، التعريف بها إنصافا واعترافا، من إبراز، وتذكير وحماية، إن لم تكن حماية لحرفة أو مهنة انقرضت، فعلى الأقل، حماية لأسمائها ورصيدها المادي أو اللامادي وإمكانية توظيفها فيما يتلاءم والاستعمال التاريخي أو الأدبي أو التوثيقي أو السردي، لكن ومع بدء النبش في هذه الحرف، وقفت على منشور في حجم صغير بجامعة محمد الخامس، صدر بمناسبة مرور 10 سنوات على تأسيس الجامعة 1957-1967، وكان من بين المقالات التي تضمها العددان 133 و 134 مقال للأستاذ المرحوم عبد القادر زمامة، تحت عنوان: (أسماء الحرف المعروفة في مدينة فاس) وقد صدر في قسمين من المجلد الرابع والسابع ، تكلم فيه على بعض الحرف التي توجد بمدينة فاس، إلا أن مضمونه تعرض لتشويه وخلط، فقيل عنه أن كان به تسرع وارتباك وتضمين غلط، لكن معرفتي بالرجل، منذ صغر سني - جارا في الحومة وأستاذا وكفاءة وصيتا – تجعلني إحقاقا للحق - أنزهه عن مثل هذه الكتابة وأؤكد أنها أخطاء في طبع المجلة، وليس في مجهوده العلمي، الذي بغض النظر عن هذا التوضيح ، كان جردا أنار لي طريق البداية ، وحتم علي مخالفته بعدم التقيد بأي ترتيب، مكتفيا بوظيفة الحرفة كصناعة يدوية تتطلب سنوات من الممارسة من أجل اكتساب المهارة والتعبير الفني والخبرة لكسب الرزق في العمل الذي هو المهنة، باعتبار الحرفة صناعة يدوية، والمهنة نشاطا يتعلق بإدارتها، واعتبار أن كل مصطلح صناعي يذكر، إلا وله وجهان: وجه كونه حرفة، ووجه كونه مهنة، وأن الحرفة لا تستمر حية موجودة إلا باستمرار نجاح الترويج لها، وهذه وظيفة المهنة، ولكن المهنة لا تتوقف دائما على وجود الحرفة كمهارة يدوية.
ولعل هذا ما يجعل عدد الحرف قليلا وعدد المهن كثيرا، وهذا ما يستوجب الحفاظ عليها وعلى مهارات صناعها في كل مجالاتها من خزف وزليج ونسيج وجلد ونقش ونحاس وخشب وفضة وذهب ... الخ ، كما هو الواجب في حق العديد من المهن التي لا يتوقف نشاطها على المهارة اليدوية.
ما يجذر بي ذكره، أن تفاعل القراء مع مضامين ما تم نشره، خلال أيام شهر رمضان 1447 هجرية أي 2025 م، ألزمني بالوفاء متجاوبا مع الإغناء والاقتراح البناء، بأن أبحث في الحرف المنسية شاكرا أصحاب التنويه إليها، وأن أجعل للمبحث فصولا يضم كل فصل منها الحرف المنسجمة في مواد تصنيعها أو مجال ترويجها أو طبيعة العمل بها، وجاء هذا التنقيح بأن شمل الفصل الأول مهن وحرف الهضرة والكلام، وشمل الفصل الثاني مهن وحرف المأكولات ، والفصل الثالث لمهن وحرف الصحة والنظافة، والفصل الرابع للمهن والحرف الجلدية، والفصل الخامس للمهن النباتية أو المرتبطة بالنبات، والفصل السادس لمهن الحديد والمعدن، والفصل السابع لمهن الصوف والحرير والخيط، والفصل الثامن للمهن الحجرية أو المرتبطة بالتراب، والفصل التاسع للمهن النحاسية أو التي تستعمل النحاس، والفصل العاشر للمهن الخشبية أو فيها خشب، والفصل الحادي عشر ، خصص لمهن أخرى مختلفة ولم يكن هذا التبويب وحيد التنقيح الذي عرف إضافات جديدة مما توصلنا إليه في مبحثنا بفضل تنبيهات المتفاعلين مع ما تم نشره من جهة وما برز من خلال الاتصال بعدد من الصناع المهرة سواء من لا زال منهم مقيما عاملا في فاس أو من فضل ممارسة حرفته بقرى مجاورة لفاس.
الفصل الأول - مهن وحرف الهضرة والكلام
1 – الحزاب الحزاب مهنة منقرضة ولكن ..
الحزابون جمع حزاب ، والحزاب في اللغة هو ذلك القائم على الحزب في المسجد أو الزاوية أو الجامع ، وهي ليست حرفة، وإنما يقال إنها وظيفة دينية، يتقاضى ممتهنها راتبا شهريا بسيطا وقليلا ولذلك تجدها قد انقرضت في فاس، لكن هذا المصطلح الذي انقرضت وظيفته الدينية، وجد ضالته في مجال السياسة مع نشاط الأحزاب السياسية، لا ليقرأ لهم الحزب، بل بهدف الوصول إلى السلطة راكبا صهوة الدين، وأصبح هذا الوافد الجديد يدعى بالمناضل الحزاب ويعرّف بالمتحزب، وهمه من امتهان هذا التحزب، فبركة الفرص للتسلق السريع، ولو بتغيير لون الحزب متنكرا لجبته متنقلا بين حزب وآخر باحثا عن فرصة ممكنة، وهنا يصبح "حرايفيا" مهنته تحزابت فيطلق عليه لقب حزاب، إلا أنه ليس حزابا قيما على وظيفة دينية بأجر هزيل، بل زاهدا عاكفا على شبه النضال مجانا وبدون أي أجر ثابت ولا يسعى لهذا الأجر، بل ساعيا للتملق والتسلق ليفوز بمقعد انتخابي ما، حتى إذا تحقق له ذلك، صار قابلا للهدايا والعطايا، مراوغا متحايلا من أجل الاغتناء من ذلكم الغنى المشبوه غير المشروع ، وعلى الأرجح ينتهي به المطاف في أحد السجون ، فيموت سياسيا منقطعا ذكره ، إلا من ذكر أنه حزاب انقرض كما تنقرض مهنة حزاب الوظيفة الدينية