بريطانيا بين حربين هل يكرر التاريخ نفسه
صورة - م.ع.ن
تظاهر الآلاف في لندن يوم السبت مطالبين بوقف الحرب على إيران، فجاب نحو 6 آلاف شخص شوارع العاصمة يصيحون "لا تلمسوا إيران" و"أوقفوا القصف الآن". قد تبدو الرسالة موجهة إلى الخارج، ولكن الحقيقة أن المقصود هو ثني الحكومة البريطانية عن الانضمام إلى أميركا وإسرائيل في تلك الحرب. وتعيش الحكومة "العمالية" في لندن اليوم مأزقاً حقيقياً تجاه الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، فرئيس الوزراء كير ستارمر وفئة من وزرائه ونوابه لا يريدون الدخول فيها، ولكن تياراً آخر في الحزب الحاكم، إضافة إلى حزبي "المحافظين" و"ريفورم" اليمينيين، يؤيدون دعم الحليف الاستراتيجي، الولايات المتحدة.
بينما الرئيس دونالد ترمب غاضب من تقاعس ستارمر عن دعم الولايات المتحدة في الحرب، ومن الممكن أن يتحول الاختلاف بين البلدين حول هذا الصراع إلى خلاف حقيقي، بخاصة أن ترمب بات يتحدث عن المملكة المتحدة كحليف سابق، ويقول إن واشنطن لم تعُد بحاجة إلى مشاركة لندن في حرب انتصرت فيها أميركا أصلا. وتحدث ستارمر هاتفياً إلى ترمب اليوم، وناقشا آخر المستجدات في الشرق الأوسط والتعاون العسكري بين بريطانيا والولايات المتحدة من خلال "استخدام قواعد سلاح الجو الملكي لدعم الجهود الجماعية للدفاع عن النفس بالنسبة للشركاء في المنطقة"، لكن لم يتضح إن كان هذا الاتصال كافيا لرأب الصدع بين البلدين. وتراجع ستارمر عن رفض استخدام أميركا للقواعد العسكرية البريطانية في الحرب، وأمر بتجهيز حاملة الطائرات "برينس أوف ويلز" لنشرها في الشرق الأوسط إذا اقتضت الحاجة، كذلك زاد من عدد الطائرات التي تعترض الصواريخ والمقاتلات والمسيّرات الإيرانية التي تستهدف جنود بلاده وحلفائها في المنطقة.
الخلاصة أن لندن استجابت لضغوط الداخل والخارج، وعززت من مشاركتها الدفاعية في الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط ، أما التحول من الدفاع إلى الهجوم فهو نقلة تمتد مخاوفها إلى أكثر من 20 عاما في ذاكرة البريطانيين، وليست حدثا وليدا يرتبط بعدم قناعة ستارمر بفشل تغيير الأنظمة من السماء، كما يقول.
فالمشاركة في الحرب على إيران عام 2026 أعادت طرح أسئلة ومحاذير أثيرت حين وقفت بريطانيا مع أميركا في الهجوم على العراق عام 2003، والمواقف الشعبية والسياسية انقسمت في الحدثين بين مؤيد ورافض، والحكومة في الواقعتين كان يقودها حزب العمال الذي تتسع قاعدة المعارضين للحروب بين صفوفه.
في الحرب على العراق قبل 23 عاماً وصل عدد المعارضين في إحدى التظاهرات بالعاصمة البريطانية إلى مليون شخص، لكن حكومة لندن "العمالية" حينها قررت الانضمام إلى واشنطن، والمشاركة في غزو الرئيس الأميركي جورج بوش للدولة العربية تحت ذريعة امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل تهدد الأمن العالمي
وحذر زعيم "العمال" السابق والنائب المستقل الحالي جيريمي كوربين من "جر" بريطانيا إلى حرب إيران، وقال "عام 2003 احتج مئات الآلاف منا على الغزو غير القانوني للعراق وجرى تجاهلنا، لكننا جئنا إلى هنا اليوم لنقول بصوت عال وواضح، لا تجروا بريطانيا إلى حرب غير قانونية أخرى". وخلال خطابها أمام المتظاهرين أمس، شددت النائبة السابقة عن حزب العمال زارا سلطانة على أن "الشارع لن يقبل بتجاهله مرة أخرى"، فقالت "أخبرونا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وقيل لنا إن الحرب ستجلب السلام والديمقراطية، كما أنها ستحمي العراقيين والعالم، لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما.
أما صحيفة "ذا غارديان" أفردت تقريراً حول الأخطار والدروس المستخلصة من غزو العراق ويتوقع الاستفادة منها اليوم، فتقول إن الصراع في الشرق الأوسط اليوم هو "الحرب الثالثة في الخليج"، والاندلاع 10 للنزاع منذ أن تولت أميركا زمام القوة والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط مع نهاية الحرب الباردة.