كيف يواجه ترمب الجبهة الداخلية وسط الحرب مع إيران
صورة - م.ع.ن
لا يحارب الرئيس الأميركي دونالد ترمب فقط على جبهة إيران، بل لديه حرب أخرى ربما أكثر ضراوة في الداخل الأميركي يسعى إلى كسبها أيضاً، وهي مشروطة بقدر كبير بالفوز الذي يمكن أن يحققه في الجبهة الأولى مع إيران، فهل سيتمكن ترمب من تحقيق النصر في معركتين متزامنتين؟ وما الأخطار التي تحدق به إذا سارت الأمور على غير ما يشتهي؟
فبينما يشعر الرئيس الأميركي بسعادة غامرة الآن لأنه فعل ما لم يفعله أسلافه السبعة في البيت الأبيض بقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي ظل في الحكم منذ عام 1989، خلال الموجة الأولى من الضربات الأميركية الإسرائيلية لإيران بعد مراقبة المرشد لأسابيع عدة وتحديد موقعه بدقة عبر الاستخبارات الأميركية، إلا أن ذلك قد لا يكون كافياً لإعلان النصر الكامل الذي وعد به الأميركيين، إذ لم يحقق سوى نصف انتصار، ولهذا يطمح ترمب في استكمال انتصاره عبر نهاية جيدة أو في الأقل مقبولة يتجنب بها تصعيد الحرب إلى مستويات أعلى أو إطالتها زمنيا بما يسمح لخصومه وحلفائه باتهامه بأنه فعل تماماً عكس ما تعهد به في حملاته الانتخابية وانزلق في حروب أبدية في الشرق الأوسط
ومع استكمال الهجوم لأيام أخرى، يراهن ترمب على قدرته على إلحاق ضرر بالغ بالمؤسسات الأمنية والسياسية الأساس في طهران، مما يؤدي إلى سقوط النظام لأنه استشعر لحظة ضعف بارزة للحكومة، وفرصة للولايات المتحدة للإطاحة بالمرشد الإيراني والحرس الثوري بعد 47 عاماً من المواجهات المتقطعة، والتي وصفها بالتفصيل في مقطع فيديو مدته ثماني دقائق ليذكر الأميركيين بتاريخ هذه المواجهات منذ بدء الثورة الإسلامية واحتجاز الرهائن الأميركيين عام 1979، التي استمرت 444 يوماً، مروراً بتفجير بيروت الانتحاري الذي أدى إلى مقتل أكثر من 200 جندي من مشاة البحرية الأميركية، وانتهاء بالهجمات الإيرانية على القواعد والسفن الأميركية.
أسئلة مفتوحة
لكن ولكي يكتمل هذا النصر الموقت، فإنه يحتاج إلى إجابات عن الأسئلة العديدة التي تطرح الآن في واشنطن من مسؤولين سابقين وخبراء استراتيجيين ومتخصصين في الشأن الإيراني، فقد عرف ترمب الحملة الناجحة بأنها تلك التي ينتفض فيها الشعب الإيراني وينهي نظام الملالي، لكن في غياب قوات برية أو معارضة مسلحة، فإن ذلك يتطلب انشقاقات كبيرة داخل جهاز الأمن الإيراني، وليس من المعروف بعد ما إذا كانت هناك خطة لكيفية تحقيق ذلك.
وعلى رغم اعتراف غالبية المراقبين بوحشية النظام الإيراني والرغبة الصادقة في رؤية الشعب الإيراني حراً، واستبدال الحكومة الإيرانية بحكومة مسؤولة دولياً وأكثر استجابة لشعبها، فإن شن حرب كبرى على دولة تعادل مساحتها مساحة فرنسا وألمانيا مجتمعتين ويبلغ تعداد سكانها 93 مليون نسمة، ولديها قدرات انتقامية كبيرة ولا توجد معارضة واضحة داخلها، يعد مخاطرة كبيرة، وفق مدير ملف إيران السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي نيت سوانسون. ويشير إلى عدم وجود خطة مفصلة لما سيحدث لاحقاً في إيران إذا نجحت الولايات المتحدة في القضاء على النظام، واعتراف ترمب بالأخطار الجسيمة التي تهدد القوات الأميركية في المنطقة.
فمع التسليم بأن إيران ستتكبد خسائر فادحة قد تضعف النظام، فإن إيران ستوجه ضربات أيضاً كما فعلت خلال اليوم الأول بشن هجمات صاروخية على قواعد أميركية وإطلاق عشرات الصواريخ باتجاه إسرائيل، وإذا تمكنت إيران من تحمل هذه الضربات ومواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية والاستمرار في قمع المعارضة الداخلية، فقد تتعرض الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية لضغوط هائلة وتنخفض مخزونات الذخائر الأميركية إلى مستويات خطرة.
لذا، قد تنتظر إدارة ترمب قرارات صعبة ومحادثات أصعب مع الشعب الأميركي،
إذ تمثل استراتيجية ترمب أيضاً مقامرة، ليس فقط في سماء إيران وشوارعها بل على الجبهة الداخلية كذلك، فقد أراد الشعب الأميركي بغالبية ساحقة، أن يركز ترمب خلال ولايته الثانية على الشؤون الداخلية والاقتصاد على وجه الخصوص، ولأنه لم يسع إلى الحصول على دعم الكونغرس والشعب الأميركي مسبقاً فسيكون هو المسؤول عن النتيجة، فإذا نجحت العملية قد يحصل على دعم محلي طفيف، لكنه يخاطر بانتكاسة كبيرة لبرنامجه الداخلي إذا فشل.
ويبدو أن خطة ترمب لما بعد الحرب تجاه إيران تستند إلى فرضية أن الشعب الإيراني سيكون قادراً على الإطاحة بالحرس الثوري المصمم على التشبث بالسلطة، لكن هناك فرضية أخرى لم تختبر بعد، وهي أن الولايات المتحدة قادرة على مقاومة أية محاولات غير متكافئة قد يحاولها النظام الإيراني داخل الولايات المتحدة، لأن استهداف ترمب للقيادة الإيرانية سيؤدي على الأرجح إلى محاولات لاستهداف ترمب وغيره من كبار المسؤولين الأميركيين، مما يخضع كلا من الخدمة السرية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وشرطة الكابيتول لاختبارات خلال الأسابيع المقبلة، إذ لا مجال لأي إخفاق. ومن المتوقع أن تلجأ إيران إلى كل حيلة إلكترونية ممكنة، لاختبار وزارة الأمن الداخلي والقطاع الخاص والدفاعات الإلكترونية الأميركية، وهو ما حاولته إيران في الماضي من دون جدوى بحسب ما يقول توماس واريك مساعد وزير الأمن الداخلي السابق لشؤون مكافحة الإرهاب.
اعتاد الشعب الأميركي قبل شن مثل هذه العمليات الكبرى أن يشرح الرؤساء وكبار مستشاريهم سبب الحاجة إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، والهدف الاستراتيجي المنشود منها، كما يطلعون الكونغرس عادة على الأمر ليتمكن ممثلو الشعب من التعبير عن رأيهم، حتى لو اقتضى الأمر الموافقة على العملية أو دعمها لكن باستثناء إحاطة واحدة لمجموعة الثمانية من قادة الكونغرس، ومشاركة إسرائيل، لم يقم الرئيس بأي من الأمور الأخرى، وتجنب ترمب مواجهة الصحافيين منذ اندلاع الحرب ولم يعد حتى إلى البيت الأبيض مثلما فعل أسلافه أثناء الأحداث الكبرى والحروب.
ولعل هذا ما يفسر جزئياً خروج تظاهرات محدودة أمام البيت الأبيض داخل واشنطن ومدن أخرى مثل نيويورك ودنفر وشيكاغو للاحتجاج على الضربات التي استهدفت إيران، ورفع بعض المتظاهرين لافتات كتب عليها "لا قنابل على إيران ولا لحرب أميركية جديدة في الشرق
لهذه الحملة تداعيات خطرة على القانون الدولي، فبينما تتحمل إيران مسؤولية عدد لا يحصى من انتهاكات حقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والدولي وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، فإن الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران تعد انتهاكاً للقانون الدولي.
إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة ضد أية دولة، باستثناء حالات الدفاع عن النفس وتفويضات مجلس الأمن، إذ يجب أن يكون الدفاع عن النفس رداً على تهديد وشيك، ولا يوجد ما يشير إلى وجود مثل هذا التهديد للولايات المتحدة أو إسرائيل، كما لا توجد تفويضات من مجلس الأمن، وبناءً على ذلك يبدو أن هذا لا ينتهك ميثاق الأمم المتحدة فحسب، بل يشكل جريمة عدوان كما حددتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحظورة بموجب القانون الدولي، وفقاً للخبيرة القانونية في مشروع التقاضي الاستراتيجي بالمجلس الأطلسي سيليست كميوت